جميل حمودي... التعبيرية والتجريدية وصناعة اللوحة

المقاله تحت باب  مقالات فنيه
في 
17/06/2008 06:00 AM
GMT




 في الذكرى الخامسة لرحيله أقامت قاعة "فري هاند" في دمشق معرضاً إستذكارياً للفنان العراقي جميل حمودي (1924-2003) ضم مجموعة محدودة مما تبقى من أعماله ، بينها تخطيطات ورسوم مائية وزيتية وطبعات ليثوغراف وتماثيل خشبية صغيرة، يعود أقدمها الى عام 1941 حين كان حمودي لا يزال في بداياته، وأبرز ما يمكن ملاحظته في الأعمال التي جاءت من مختلف مراحل تطوره أسلوبياً ورؤيوياً، تطور نزعته بإتجاه الحروفية وإستقرار تلك النزعة في إطار مختلف بنائياً عن التجريد لذاته، وقد تطورت لاحقاً بأساليب تنفيذية مختلفة وبإسنادات وثائقية الى التراث، الى إتجاه فني كان هو من رواده ومن واضعي أسسه النظرية، ولم يأت ذلك إعتباطاً بل عن قصدية ووعي وخصوصاً بعد رحيل حمودي مطلع الخمسينيات الى باريس.

إذ إكتشف هناك إن الرسم ليس تصويراً للأشكال الواقعية في الخارج أو إعادة تمثيل لجمالياتها، وإنما هو أيضاً إستغراق في اللامرئي وإستجابة لما يكمن خلف مظاهر الأشياء, وقد ساهم في تأكيد ذلك وتأصيله نزعة البحث الثقافي لدى حمودي التي ميزته عن الكثير من مجايليه، ربما بإستثناء شاكر حسن آل سعيد الذي كان صنوه ونقيضه في الوقت ذاته، ولكن بينما ظلَّ آل سعيد في لحظة بحث دائم ومراجعة مستمرة لخصائص رسومه وأفكاره النظرية، إطمأن حمودي الى ما توصل إليه وظل في حالة "تمركز" حول ما إستعاره من أفكار السرياليين والوجوديين ومناهج المستشرقين بشأن التصوف والتراث الروحي الإسلامي، وكذلك ما أكتشفه في رسوم التجريديين من خصائص ولذائذ شكلية، لم يخرج عن ذلك الإطار المحافظ الذي صنعه لنفسه، كان يعود دائماً الى الماضي ليؤكد ريادته، فهو مؤسس مجلة "الفكر الحديث" التي صدر عددها الأول عام 1945 والتي نشر فيها رواد الحداثة العراقية: السياب وبلند الحيدري والتكرلي وجواد سليم وسواهم نصوصهم وتجابهم الفنية الأولى، وهو أيضاً سكرتير جمعية أصدقاء الفن التي عدّت التنظيم النقابي الثقافي الأول في العراق وربما في الوطن العربي، وهو الوحيد الذي ظل خارج الجماعات الفنية في العراق أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينات: (الرواد بزعامة فائق حسن وبغداد للفن الحديث بزعامة جواد سليم والإنطباعيون بزعامة حافظ الدروبي) وقد مثلت تلك الجماعات الإتجاهات الرئيسة للفن العراقي، مثلما مثلت وعي روادها وأعضائها بتجارب الحداثة عالمياً ومحاولاتهم لإيجاد تطبيقات محلية لها، وكذلك تطور رؤاهم للممارسة الفنية كعمل ثقافي، كان حمودي يردد أيضاً أنه أول فنان عراقي عاش في باريس وأنه كان صديقاً لبريتون وبيكاسو وماسينيون وسارتر وكان يروي لجلسائه "مثلما يكرر أيضاً في كتاباته" حكايات ووقائع عن لقاءاته بهؤلاء وسواهم وإنطباعاتهم عن رسومه وكتاباته.
والى جانب رسومه ومنحوتاته وكتاباته النقدية الرصينة كان حمودي شاعراً "وقد أصدر في باريس ديواناً بالفرنسية هو: أحلام الشرق1955 .

كما أصدر في السنة ذاتها مجلة "إشتار" المعنية بالحوار بين الشرق والغرب، والتي إستمرت في الصدور حتى عام 1962 حين قرر أن يعود الى بغداد.  ظلَّ حمودي مخلصاً لفرديته، إكتفى بمهارته المحدودة في بناء اللوحة وفي معالجة عناصرها الشكلية، وذلك ما نتيقن منه عبر تفحص السياق الزمني لرسومه، إنها تتكرر في منطقة الإشتغال نفسها: طبيعة ونساء ووجوه وإنشاء زخرفي في البواكير ثم تنويعات تجريدية على الحروف في المرحلة الطويلة التالية ولا شيء مهم أو واضح سوى ذلك، لا مغامرات شكلية ولا صدمات ولا إضافات ناتجة عن الخبرة وإتساع الرؤية، بل أن بعض الرسوم التي تحمل تاريخا متقدماً يعود الى الأربعينيات والخمسينيات  تبدو كما لو أن حمودي قد أعاد صياغتها لاحقاً أو أعطاها تاريخاً سابقاً لتاريخها الحقيقي، ولكن تلك الرسوم المتشابهة كلها تنتسب إليه، ميزته أنه لم يقلد أحداً، مثلما لم يقيض لأحد أن يقلده ربما بإستثناء إبنته عشتار التي إعادت تحقيق معظم إكتشافاته الشكلية. وإذا كانت الحركة التشكيلية في العراق قد إكتشفت تدريجياً من هم آباؤها الشرعيون وما هو حجم الدور الريادي والتأسيسي لكل منهم، فقد سلبت من جميل حمودي ما كان يعتقد أنه إكتشافه الأساسي وهو إدخال الحرف العربي عنصراً أساسياً في الرسم المعاصر وأعطته لسواه، أو بالأحرى جعلت له شركاء متأخرين في ما أكتشفه مبكراً، ظل دائماً يعد المساحة التي أعطيت له على خريطة الريادة أقل بكثير من إستحقاقه، ظلت تؤرقه أيضاً حقيقة أنه من الجيل التالي لجيل الرواد وأنه تتلمذ عليهم في معهد الفنون الجميلة حتى تخرجه من قسم النحت عام 1946، ظلت تشغله أيضاً مواضعات إجتماعية لا تدخل في صلب العملية الفنية، حدث ذلك كله بينما إستولت عليه تماماً نزعته المحافظة التي ظلت تزداد "تمركزاً" حول خصائص التجربة في بداياتها وتحتفي دائماً بإكتشافاتها الأولى.

لم يحاول الإبتعاد مطلقاً عن منطقة إشتغاله الوعرة والكئيبة كما تبدو لنا، كانت بالنسبة إليه ذات مباهج ومفاتن لم تُقدَّر ولم ينظر إليها بموضوعية وجدية، كتب عام 1997 يلخّص رؤيته: "يظل فني وهو الذي يستوحي الحياة من ثناياها التعبيرية والتجريدية، يتحرك بين القيم الإنسانية معتمداً جمالية الحرف العربي تعبيراً عن إنتمائيته لحضارتنا وقوميتنا، وإنطلاقاً على طريق زمننا المعاصر".

وإعتقد أن ذلك هو فعلاً ما نجح جميل حمودي في تحقيقه نظرياً منذ البدء ولكنه ظل أيضاً أشبه بالنهايات الفريدة التي تتكرر على مساحة السطح التصويري بالطريقة السابقة نفسها في كل مرة.